الانفصام الدعوي (2 /5).. مع النفس

نظرات في التراث الإسلامي

أ.د. محمد أحمد عزب (خاص بموقع مهارات الدعوة)

في سالف الزمن أثناء سني الطلب الأولى، كنا نقرأ بعض عبارات المفسرين أو الفقهاء، تجاه ما يقال  في تفسير  آية أو شرح حديث، أو ما يمكن استنباطه منهما من أحكام أو استفادات، فيتطرق إلينا العجب، وربما خامرنا الشك في صحة هذا الكلام، وكنا نرى أنه من المبالغات التي ضررها أكبر من نفعها.

لعل من هذا القبيل قول الرازي رحمه الله (606هـ) قوله جل جلاله {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر أو أقل ([1]) . ومنه قول الفيروز آبادى  رحمه الله-( 817 هـ) في قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} قال -رحمه الله – هذه أَربع كلمات وستة عشرة حرفاً يتضَّمَّن ما ينيِّف على أَلف أَلف مسأَلة، قد تصدَّى لبيانها علماءُ الشريعة، وفقهاءُ الإِسلام فى مصنَّفاتهم؛ حتَّى بلغوا أُلوفاً من المجلَّدات، ولم يبلغوا بعدُ كنهَها وغايَتَها ([2]).

أما أبو جعفر الطبري (311هـ) شيخ المفسرين فينقل عنه  الخطيب البغدادي (463 هـ) أنه:) قال لأصحابه أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره ؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة . فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة( ([3]) فكأن مجلدات التفسير الذي وضعه الطبري والتي تبلغ ستا وعشرين مجلدا هي عُشْر ما كان يريد الطبري وضعه حيال التفسير . لكن العجب يتبدد حين نقرأ قول عبد الله بن مسعود (32 هـ)- رضي الله عنه – وهو أحد علماء الصحابة الكبار، وأكثرهم بالقرآن دراية وتلاوة يقول في القرآن : (لَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ رَدٍّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ) ([4])

إذن … إذا كان القرآن لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الرد، فإن ما جاء به القرآن من تشريعات أو شواهد في الخلق هي من هذا القبيل. لست إذا في وجل من أن كشف العلم عن وجه الإعجاز في كل آية من آيات القرآن سينتهي معها عجائب القرآن، فلن تقف إعجازات القرآن عند الستة آلاف ومائتي آية وما ينيف عليها مما اختلف في تحديده علماء علوم القرآن([5])  فإن وجهًا من الإعجاز لا بد أن ينبلج عنه الزمن، وسنظل ننهل من القرآن ما دام له من يؤمن به، وسيظل عطاء القرآن ممدودا لا ينقطع مداده {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } [فصلت: 53، 54]

إلا أن هذا اليقين الذي يحمله كل من خالج الإسلام قلبه واختلط بعظمه ودمه، لا يروق لبعض حملة الإسلام، وبعض دارسيه من المسلمين وغيرهم  ولذا يقول الشاطبي (791هـ)رحمه الله:

(على الناظر في الشريعة أمران: أحدهما: أن ينظر إليها بعين الكمال لا بعين النقصان، ويعتبرها اعتبارا كليا في العبادات والعادات، ولا يخرج عنها البتة، لأن الخروج عنها تيه وضلال ورمي في عماية ….

والثاني: أن يوقن أنه لا تضاد بين آيات القرآن ولا بين الأخبار النبوية ولا بين أحدهما مع الآخر، بل الجميع جار على مهيع واحد ومنتظم إلى معنى واحد، فإذا أداه بادئ الرأي إلى ظاهر اختلاف..  فواجب عليه أن يعتقد انتفاء الاختلاف؛ لأن الله قد شهد له أن لا اختلاف فيه؛ فليقف وقوف المضطر السائل عن وجه الجمع، أو المسلِّم من غير اعتراض، فإن كان الموضع مما يتعلق به حكم عملي فليلتمس المخرج حتى يقف على الحق اليقين، أو ليبق باحثًا إلى الموت ولا عليه من ذلك، فإذا اتضح له المغزى وتبينت له الواضحة . فلابد له من أن يجعلها حاكمة في كل ما يعرض له من النظر فيها . ويضعها نصب عينيه في كل مطلب ديني، كما فعل من تقدمنا ممن أثنى الله عليهم)([6]) ومسألة الاعتراض على بعض أحكام الشريعة أعرض لها .

————–

([1])   مفاتيح الغيب، للإمام الرازي، طـ دار الكتب العلمية – بيروت – 1421هـ – 2000 م الطبعة: الأولى: 1/18

 ([2])   بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروزآبادى (المتوفى: 817هـ) تحقيق – محمد علي النجار،  الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، طـ 1416 هـ – 1996م:  1/ 69

([3])   تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ط- دار الكتب العلمية – بيروت:2 / 163

([4]) أخرجه الترمذي مرفوعا:  5/29 برقم (2906)، وقال: إسناده مجهول وفي الحارث مقال، وأخرجه الدارمي موقوفا برقم (3389) ط دار المغني ـ الرياض، دار ابن حزم ـ بيروت، ط(1) 2000م، وأخرجه أيضا سعيد بن منصور في سننه، المحقق:د. سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد، ط ـ دار العصيمي، الرياض، الأولى،  طـ:1414:   1/43.

([5])   لعلنا سنقف عند تحديد علمي لعدد آيات القرآن من خلال وجه إعجازي في هذا الجانب فقد قال السيوطي نقلا عن أبي عمرو الداني: أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال: ومائتا آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة، وقيل: وتسع عشرة، وقيل: وخمس وعشرون، وقيل:وست وثلاثون. اه الإتقان (1/ 232).

([6])  الاعتصام، لأبي إسحاق الشاطبي، طـ دار ابن عفان سنة النشر 1412هجرية \1992م:2/ 822

مواضيع ذات صلة