الانفصام الدعوي (2 /5).. مع النفس

الداعية الشكور

محمد مسعد ياقوت

إن الله تعالى لما أراد أن يزكي نبيه نوحًا عليه السلام زكى شكره قائًلا عنه: {إِنََّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}, قال ابن كثير: “إن نوحًا -عليه السلام- كان يحمد الله تعالى على طعامه وشرابه

القرآن من المعينات على الشكر

القرآن من المعينات على الشكر

ولباسه وشأنه كله; فلهذا سُمي عبدًا شكورًا” (ابن كثير: 5/46).

وتأمل لفظة: “وشأنه كله”.. فكان يشكر الله على نعمه الظاهرة والباطنة، الدنيوية والدينية، في السراء وفي الضراء، في المنشط والمكره، في العسر واليسر، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، في النجاح والفشل، في المساء والصباح، قائمًا أو قاعدًا أو مضجعًا، في الخلوة أو الاختلاط ..

إن الصفة المغايرة لخلق “الشكر” هي الكفر والعياذ بالله، ألم تقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، وقال: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل114]، وقال عن سليمان -عليه السلام-: {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} (النمل: 40)، وقال: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [ إبراهيم: 7]، وقال سبحانه: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، فإذا كان الإنسان في هذا التقسيم إما شاكرًا وإما كفورًا، فأحرى بالداعية أن يتحرى الشكر في كل أحواله.

والشكر يعين الداعية على تحمل البلاء، ويقويه في مواجهة الصعاب، ويسلي قلبه عند إعراض الناس، ونوح -عليه السلام- وهو خير مثال في ذلك، ظل يدعو قومه أكثر من تسعة قرون فلم يتكاسل ولم يتخاذل ولم ينهزم، بل كان على مدار السنين عبدًا شكورًا.

ولقد جعل نبينًا صلى الله عليه وسلم لنفسه وردًا من الشكر يعينه على تحمل مشاق الدعوة، فعن الْمُغِيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: إِنْ كَانَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَو سَاقَاهُ فَيُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ:” أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا” [البخاري: 1062].

وهكذا جعل من قيام الليل وردًا لشكر الله تبارك وتعالى، رغم مكانته نبينا الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وقد كان نبي الرحمة يوصي بعض أتباعه من الدعاة بورد ثابت من الشكر دبر كل صلاة، فقال لمعاذ بن جبل: “أوصِيكَ يَا مُعَاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُل صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ” [أبوداود: 1301 وصححه الألباني].

إن الداعية إذا لم يكن شاكرًا لله على ما ابتلاه به من عقبات فهو في حقيقة الأمر دعي غير مدرك لسنن الله تبارك وتعالى في عباده، فقد اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون الحق والباطل في صراع دائم، ليميز الله الخبيث من الطيب، ويُورث الأرض لعباده المخلصين، وليمكن لعباده الذين صبروا بعدما فُتنوا . ومن ثم فإن الشكر سبيل التمكين، وزاد الله لعباده العاملين لدعوته، والقائمين على منهجه .

وكيف يكون الداعية شاكرا؟

على الداعي أن يشكر الله بلسانه وبجوارحه وبقلبه، أما شكر اللسان، فيحدث الناس بنعم الله عليه كما قال تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، فيقول دومًا: أكرمني الله بكذا، ورزقني الله كذا، ونجاني الله من كذا.

وأما شكر الجوارح، فعليه أن يسخر جوارحه في كل ما يخدم الدين، يشكر بجارحة ” اليد” فيعطي بها الخير، ويشكر بجارحة ” الرجل” فيمشي بها في سبيل الخير، وهكذا، كما قال تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، فجعل من عمل الجوارح وسيلة للشكر، وأما شكر القلب، فيكون ذلك بأن يستحضر الداعية في قلبه دومًا نعم الله عليه، من صحة أودين أو علم أو تقوى أو مال أو منصب أوجاه أو ولد أو زوج … إلخ.

صور عملية

– إذا دعوت أحدهم فلم يهتد فاحمد الله على اختياره فلعله يهتدي فيعود إلى الضلال ويسيء إلى الدعوة.

– إذا تعرضت لمضايقات حالت بينك وبين الناس، أو غيبك ظالم عن منبر من المنابر فاشكر الله، فعلك تحتاج إلى قسط من التزكية أو دورة روحانية في التربية، تحققت بحمد الله بالخلوة مع النفس.

– إذا تعرضت للوشاية أو التشهير أو لحملة إعلامية مسيئة لدعوتك فاصبر واشكر الله؛ فكلها لا تضر عرض المؤمن وسرعان ما تنكشف الحقيقة فيكون وقعها في النفوس أنجع.

– اشكر الله دوما أن وفقك في إلقاء كلمة أو تحضير خطبة أو كتابة مقالة، أو هداية ضال، أو إنجاح عمل دعوي، لتُرزق المزيد، فقد قال الله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} (إبراهيم: 7).

– اشكر الله بلسانك على الضراء والسراء، ولا تتأفف أبدًا، ولا تتذمر مطلقًا من خطب ألم بك، فالناس يرون في الداعية الشاكر على ما فيه من بلايا أنموذجًا صالحًا يُقتدى به.

——-

المصدر: نوافذ الدعوة.

مواضيع ذات صلة