الانفصام الدعوي (2 /5).. مع النفس

الصبر سلاح الداعية

د. رمضان فوزي بديني

الصبر من الأخلاق الإسلامية التي حث عليها ديننا الحنيف ورتب عليها الأجر الكثير في الدنيا M3N4NEt.jpgوالآخرة، من ذلك قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153)، ومنها قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)..

فإذا كان الأمر كذلك لعموم المسلمين والمؤمنين؛ فإنه يكون أولى وآكد للدعاة إلى الله تعالى؛ ذلك أنهم يُعدون قدوات لغيرهم من الناس في هذا الأمر، فضلا عما يكتنف طريق الدعوة من عوائق وتحديات لا يجدي معها سلاح إلا الصبر.

بين الدعوة والصبر

الدعوة إلى الله تعالى هي مهمة الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله تعالى لأقوامهم؛ فكان كل نبي ورسول يواجَه بكثير من التحديات والعوائق من قومه التي تنتج عن صعوبة تخلي الناس عن عاداتهم وتقاليدهم؛ ذلك أن التعامل مع النفوس يحتاج لتنويع الأساليب والوسائل؛ لذلك جاء التوجيه القرآني للرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر في مرحلة مبكرة من الدعوة؛ فنجد ذلك في أوائل ما نزل من القرآن كما في سورة المدثر في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 1 –  7]. وفي سورة المزمل بعد أن أمر الله تعالى نبيه بالأخذ بالمعينات التي لا غنى للداعية عنها مثل قيام الليل وترتيل القرآن، وذكر الله تعالى قال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً} (المزمل: 10).

والمتتبع لسير الأنبياء والمرسلين يجد في قصصهم الكثير من الابتلاءات والمشاق التي كانت تواجه منهم بالصبر والتوكل على الله تعالى؛  ولذلك قال ابن القيم -رحمه الله- عن شيخه ابن تيمية -رحمه الله- أنه كان يقول: “بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين”. ويعد هذا مصداقا لقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة: 24).. فالصبر كان عاقبته الإمامة.

 ويمكن تلخيص أهمية الصبر في مجال الدعوة فيما يلي:

–       الداعية في حاجة للصبر للثبات على مقتضيات الدعوة الإيمانية من صلاة وتلاوة للقرآن وقيام الليل…

–       الصبر على إصلاح نفسه، وثباته على فضائل الأعمال والأخلاق القويمة باعتباره قدوة وداعية بحاله قبل مقاله.

–       الصبر على تعلم العلم، واكتساب المهارات الدعوية اللازمة لتوصيل رسالته.

–       الصبر في التعامل مع الناس بمختلف طبائعهم وأخلاقهم وتفاوت استعدادهم للالتزام.

–       الصبر على الدعوات المناوئة والأفكار الهدامة.

–       الصبر على تأخر نتيجة الدعوة، وعدم تعجل ثمرتها.

 

معينات على الصبر

الصبر صعب على النفس، لا تتحمله إلا النفوس القوية والعزائم الفتية التي تثق فيما عند ربها أكثر من ثقتها فيما بين يديها. ولذلك قال الشاعر:

والصبر من اسمه مُرٌ مذاقه *** لكن عواقبه أحلى من العسل

 وقد رتب الله تعالى للصابرين أجرا كبيرا؛ حيث قال عز وجل: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: 10)، وقال تعالى: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 96)، وقال عز وجل: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} (القصص: 54).

وفيما يلي بعض الأمور التي تعين الداعية على التحلي بالصبر:

  1. على الداعية أن يعرف جزاء الصابرين وما أعده الله لهم من فضل كبير في الدنيا والآخرة.
  2. أن يدرك طبيعة طريق الدعوة وأنه محفوف بالمخاطر والتحديات والعوائق وليس الورود والرياحين؛ ولذلك كانت وصية لقمان لابنه وهو يعظه : {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (لقمان: 17). فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد سيواجه بأذى يحتاج للصبر الذي يُعد من عزائم الأمور.
  3. أن يحرص على مراجعة أوراده الإيمانية، وتجديد علاقته بربه؛ فقد قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45).
  4. مطالعة سير الأنبياء والصالحين والدعاة وما تحلَّوا به من صبر ومصابرة في مواجهة العقبات والتحديات الكبيرة التي اعترضتهم.
  5. أن يوقن بوعد الله تعالى ويثق فيه حتى لو لم يجد ثمرة دعوته في الحياة؛ فقد قال تعالى خير الدعاة صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} (غافر: 77}.
  6. أن يؤمن بأنه محاسب على الأخذ بالأسباب وليس عليه إدراك النتائج؛ فقد قال الله تعالى لرسوله الكريم: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص: 56). وقال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ} (الغاشية: 21، 22)
  7. أن يعلم أن مخالطة الناس بصورة عامة لا تخلو من أذى؛ ولذلك قال –صلى الله عليه وسلم-: “المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم” (رواه أحمد والترمذيُّ وابن ماجه وإسناده حسن).
  8. أن يستعين بالصحبة الصالحة التي تعينه على الثبات على طريق الدعوة، كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} (الكهف: 28).
  9. أن يوقن أنه مأمور بالصبر من الله تعالى وبالله تعالى كما أخبر عز وجل: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} (النحل: 127).
  10. أن يتيقن الداعية أن هذه الدنيا زائلة وأن النعيم المقيم في الآخرة؛ فهذا يجعله حريصا على تحمل مشاق الدعوة والصبر على طول الطريق.

نسأل الله تعالى أن يكتبنا في عباده الصابرين، وأن يرزقنا أجر الصبر في الدنيا والآخرة.

مواضيع ذات صلة