الانفصام الدعوي (2 /5).. مع النفس

الدعوة بالسيرة الحسنة

أ.عبد الكريم زيدان

من الوسائل المهمة جداً في تبليغ الدعوة إلى الله وجذب الناس إلى الإسلام السيرة الطيبة للداعي وأفعاله الحميدة وصفاته العالية وأخلاقه الزاكية؛ وهو ما يجعله قدوة طيبة untitled3وأسوة حسنة لغيره، ويكون بها كالكتاب المفتوح يقرأ فيه الناس معاني الإسلام فيقبلون عليها وينجذبون إليها، لأن التأثر بالأفعال والسلوك أبلغ وأكثر من التأثر بالكلام فقط.

إن الإسلام انتشر في كثير من بلاد الدنيا بالسيرة الطيبة للمسلمين التي كانت تجلب أنظار غير المسلمين، وتحملهم على اعتناق الإسلام؛ فالقدوة الحسنة التي يحققها الداعي بسيرته الطيبة هي في الحقيقة دعوة عملية للإسلام يستدل بها غير المسلم على أحقية الإسلام، وأنه من عند الله، لا سيما إذا كان سليم الفطرة سليم العقل.

والله لا يخزيك الله أبدا

ومن الشواهد القديمة في أهمية السيرة الحسنة للداعي وأثرها في تصديقه والإيمان بما يدعو إليه أن خديجة بنت خويلد رضي الله عنها عندما أخبرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما حدث له في غار حراء قالت له: “أبشر والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر -أو الحق- في أوصاف أخر جميلة عدتها من أخلاقه تصديقاً منها له وإعانة على الحق”.

وروي أيضاً أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: من أنت؟ قال أنا محمد بن عبد الله؟ قال الأعرابي أأنت الذي يقال عنك إنك كذاب؟ فقال: أنا الذي يزعمونني كذلك. فقال الأعرابي: ليس هذا الوجه وجه كذاب، وما الذي تدعو إليه؟ فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدعو إليه من أمور الإسلام فقال له الأعرابي آمنت بك وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله.

فالأعرابي استدل بسمت رسول الله ووجهه المنير الكريم الذي يكون عليه أهل الصدق والأخلاق الكريمة، استدل بذلك على صدقه فيما يدعو إليه صلى الله عليه وسلم.

أصول السيرة الحسنة

وأصول السيرة الحسنة التي بها يكون الداعي المسلم قدوة طيبة لغيره ترجع إلى أصلين كبيرين: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول.

فإذا تحقق هذان الأصلان حسنت سيرة الداعي، وكانت سيرته الطيبة دعوة صامتة إلى الإسلام. وإن فاته هذان الأصلان ساءت سيرته وصارت دعوة صامتة منفرة عن الإسلام، فليتق الداعي ربه في هذا الأمر الخطير ولا يكن منفراً عن دين الله بسيرته وهو يريد الدعوة إليه بقوله.

الأصل الأول: حسن الخلق:

للأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة جعلت الشارع يعلل الرسالة الإسلامية كلها بأنها رسالة تقويم للأخلاق وإشاعة مكارمها كما في الحديث الصحيح (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. وحتى عرف الدين بأنه حسن الخلق، أي أن الخلق هو ركن الإسلام الأعظم كما أن الوقوف بعرفة هو ركن الحج الأكبر. وأفضلية المؤمنين رجعت إلى تفاضلهم في لأخلاق؛ (قيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال أحسنهم خلقا).

وأصحاب الأخلاق الكريمة هم أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقربهم منه منزلة يوم القيامة، كما كانوا أقربهم إليه في الدنيا. وهذا باب واسع ودلائله في القرآن والسنة متكاثرة متوافرة.

وإذا كان صلاح أفعال الإنسان بصلاح أخلاقه، فإذا فسدت أخلاقه فسدت أعماله: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا}.

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه *** فقوم النفس بالأخلاق تستقم

إذا صح هذا في عموم الناس فإن الدعاة إلى الله أحوج العباد إلى التحلي بمكارم الأخلاق، لأنها قوام دعوتهم وسبيل إقبال الخلق عليهم، وانجذابهم إليهم، وطاعتهم لهم والتفافهم حولهم. ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم من دعا إلى الله كان أيضا هو أحسن العالمين أخلاقا {وإنك لعلى خلق عظيم}.

ومن أهم الأخلاق التي يحتاجها الدعاة:

الصدق: ليس في القول فحسب، وإنما في كل مناحي حياتهم حتى في طلبهم للجنة وخوفهم من النار، والخوف على العباد منها وصدقهم في طلب النجاة لهم، فإذا حصل الداعية الصدق خرج كلامه من قلبه إلى قلب المدعوين، وإذا فقده زل كلامه عن قلب السامع كما تزل القطرة عن الصفاة. وكلام الصادق يختلف عن كلام غيره، وكذا وجهه ومنظره يبدو الصدق عليه من عدمه، وقد روى أن رجلا رأى النبي فلما عرفه قال أنت الذي يقول الناس عنه أنه كذاب، قال كذلك يقولون. فقال: لا والله ما هذا بوجه كذاب.. وقد قال عبد الله بن سلام عندما رأى النبي لأول مرة بعد الهجرة: “فلما نظرت إلى وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب”.. فيا أيها الدعاة {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}.

الصبر: وهو خلق لابد منه؛ لأن الدعاة أكثر الناس عرضة للابتلاء وعرضة للاستهزاء وحصول الضر لهم، فكان لابد من ملازمة الصبر لتحمل الضر ومقاومة الابتلاء، ثم كذلك دعوة الشاردين تحتاج إلى طول صبر عليهم وتحمل لهم ومعاودة وتكرار عرض الدعوة عليهم مع الصبر على ما يلحق من جراء هذه الدعوة.

الرحمة: فالدعاة أحوج الناس للتخلق بهذا الخلق، حتى يحملهم على استنقاذ الناس من الكفر والضلال والعصيان وعاقبة السوء ليبذلوا أقصى ما يمكنهم لإخراجهم من غضب الله وعذابه إلى جنة الله ورضوانه، وهي  أعني الرحمة  تهون عليه احتمال ما يلقاه من أصحاب الغفلة والجهالة، فلا يجهل ولا ينتقم لنفسه بل يعفو ويصفح ويغفر. {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك}

ومن الأخلاق التي يحتاجها الداعية أيضا التواضع وعدم الكبر، والانبساط مع الناس ومخالطتهم وتحمل الأذى منهم. وبذل الندى لهم وكف الأذى عنهم. وعموما فهو يحتاج إلى كل خلق جميل.

الأصل الثاني: موافقة العمل للقول:

فليحذر الداعي من مخالفة أفعاله لأقواله؛ فإن النفس مجبولة على عدم الانتفاع بكلام من لا يعمل بعلمه ولا يوافق فعله قوله؛ ولهذا قال شعيب عليه السلام لقومه: {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} ولهذا حذرنا الله سبحانه من مخالفة أفعالنا لأقوالنا قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}

فليحمل الداعي نفسه دائماً على موافقة أفعاله لأقواله فإن هذا ادعى للإقبال عليه وقبول قوله.

يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذى الضنا *** كيما يصح به وأنت سقيم

ونراك تصلح بالرشاد عقولنا *** أبدا وأنت من الرشاد عديم

ابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

وهناك يقبل ما تقول ويشتفى *** بالقول منك وينفع التعليم

لا تنه عن خلق وتأتى مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم

——

المصدر: كتاب “أصول الدعوة” (بتصرف).

مواضيع ذات صلة