الانفصام الدعوي (2 /5).. مع النفس

صناعة الربانيين

د.محمد بن صالح سلطان

للدعوات والمناهج أساليبها المتنوعة، لتحقيق أهدافها في تكوين وتربية الأتباع وفي ظني أن أهم الأساليب -السلبية- خمسة:

الأسلوب الأول: أسلوب الجندية

وهو الذي ينزع شخصية التابع ويحوله لجندي ينفذ الأوامر والتعليمات- دون الرجوع إلى عقله -ومن غير تفكير في العاقبة ودون النظر إلى مشروعية الأمر وقد حاول أحد قواد رسول الله صلى الله عليه وسلم بتطبيق هذا المنهج، فعن علي رضي الله عنه، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، وأمر عليهم رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم، وقال: أليس قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا، وأوقدتم نارا، ثم دخلتم فيها فجمعوا حطبا، فأوقدوا نارا، فلما هموا بالدخول، فقام ينظر بعضهم إلى بعض، قال بعضهم: إنما تبعنا النبي صلى الله عليه وسلم فرارا من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك، إذ خمدت النار، وسكن غضبه، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف» متفق عليه، وهذه الطريقة في التربية أكثرها أثرا سيما على المتربي وكذا المربي إذ يخلق الأنانية والفوقية وكذا استلاب العقل وتغييب التفكير والمقارنة وهي أقوى الأدوات التي يستخدمها بعض جماعات العنف والأحزاب، لكسب الولاء المطلق وتنفيذ الأوامر(العليا) حتى لو أدى إلى إهلاك النفس وإفنائها، فضلا عن قتل الآخرين والتعدي عليهم.

الأسلوب الثاني: رجل الحسبة والرقابة

وهذه طريقة تتمحور حول الغيرة الشديدة على الحرمات والحرص على الأمن- وهي مطلوبة- والمشكل هنا -ما يقصد منها الغياب عن تربية الذات- والتركيز في أخطاء الآخرين ومنكراتهم، وما أكثر المنكرات والمخالفات لمن بحث عنها ودقق فيها!! سيما في عصرنا الذي قلت فيه الديانة وازداد الانحراف وينتج عن هذا الأسلوب الاستعلاء، وأحيانا بروز الأنا، وتضخم الذات، والتسلط على الناس وعسفهم دون وجه حق، ما لم يضبط بضابط شرعي ونظامي يحمي الناس من التعسف والاعتداء.

النوع الثالث: أسلوب المحامي والمدافع

وهذا الأسلوب غالبا يقوم على المسائل الفكرية، والهوس في الرد على المخالفين والمنحرفين فتجده يبحث عن الأخطاء والانحرافات في الصحف، والتغريدات وكذا بين سطور الكتب، أو ترددات القنوات وهذه الطريقة توقع صاحبها في حبائل الشبهات والبحث عنها وتفكيكها، وكذا الانشغال بشكوك المنحرفين كما أنه مضيع للوقت وإشغال للنفس عن الأهم.

النوع الرابع: أسلوب الزبون

التعامل مع الأتباع على أنهم مستهلكون وزبائن، ولذا يحاول بكل السبل والطرق نيل رضاهم، وكسب ودهم، ليروج عليهم بضاعته وقد انتشر هذا في زماننا كثيرا، في صور متعددة اقتصادية، أو اجتماعية.

النوع الخامس: أسلوب الميت بين يدي المغسل

ويهدف هذا الأسلوب إلى إخضاع التابع بصورة تامة، ونزع إرادته وجعله تحت رحمة المتبوع؛ فيتلقى تعليمات وإرشادات الشيخ خاضعا مستسلما لرشد وعقل وديانة شيخه ونفي احتمالية خطأه وجهله.

وقد قال أحدهم: ولو قيل لي مت مت سمعا وطاعة وقلت لداعي الموت أهلا ومرحبا.

النوع السادس: أسلوب المعلم والمرشد

وأعتقد أن هذا الأسلوب الإيجابي هو الأنجع والأصلح في التعامل مع النفس الإنسانية، ويلبي رغباتها، ويوجهه للأفضل ويحترم عقله عبر المقارنة والتعلم، فالمعلم ينقل العلم ويرشد الجاهل ويسهل المعلومة ويتخذ أفضل الأساليب، لعرض ما عنده، كما أنه يجيب على الأسئلة ويتقبل مردة تلامذته، وهي طريقة الأنبياء فأولى مهامهم تعليم الناس وإرشادهم، وما أبلغ قوله تعالى- حين وصف ذاك الصنف-: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}، وقد صدق المثل: إذا كنت تخطط لعام فازرع قمحا، وإذا كنت تخطط لعقد فازرع شجرة، وإذا كنت تخطط لمدى الحياة فدرب الناس وعلمهم.

تعليم الناس –يا سادة- وتكوين الجيل الواعي العارف لنفسه ولواقعه ولدينه؛ أكبر تحد ورهان يسعى إليه المصلحون عبر الأجيال فالسعيد من التحق بركبهم وسلك سبيلهم.

—-

* المصدر: الإسلام اليوم.

مواضيع ذات صلة