الانفصام الدعوي (2 /5).. مع النفس

قراءة في كتاب “مهمة الإسلام في العالم”

Mission of Islam in the world

عرض:  موقع إسلاميات

في هذا الكتاب القيّم –الذي نشره مجمع البحوث الإسلامية بمصر عام 2002م- يتناول مؤلفه محمد فريد وجدي دعوة الإسلام ومهمته في إنقاذ البشرية والعالم مما يعانيه من اضطرابات ومشكلات، مؤكداً بالدليل القاطع أن العالم لو أخذ بمنهج الإسلام في كافة مناحي الحياة لتعافى مما يعاني من مشكلات وأزمات أخلاقية واجتماعية واقتصادية… إلخ.

الإسلام وإعلانه للألفة العامة بين الشعوب

لم يكتفِ الإسلام بالتأكيد على وحدة الجنس البشري لإنقاذ البشرية من التناحر والخلافات، بل دعا لتطبيق ذلك على أرض الواقع، وقد سعدت الحقبة الأولي في صدر الإسلام بالتنفيذ المباشر لتلك التعليمات؛ حيث كان المسلمون الأوائل كأسنان المشط لا فرق بين عبد وحر، ولا بين عربي وأعجمي، وبهذه المساواة ساد بين المسلمين الشعور بالأخوة، فأصبح المسلم العربي لا يسأل أخاه: من أي القبائل أنت، ومن شذَّ في لحظة فافتخر بنسبه وجد المعارضة اللائمة، فاعتذر عن شذوذه وخطئه سريعًا وتاب إلى الله مما أجرم، متذكرًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد أذهب الله عنكم رجس الجاهلية وتفاخرها بالأنساب، ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى” (أخرجه الإمام أحمد).

دعا الإسلام إلى وحدة العقيدة الدينية بين جميع البشر، ومن الحقائق التاريخية التي استند إليها الإسلام لجعل تلك الدعوى سائغة في العقول:

(أ) قدر الإسلام أن دين الله واحد في جميع العصور، وأنه أوحاه إلى أول رسول أرسله الله للبشر، ثم والى إنزاله على المرسلين في فترات من تاريخ الأمم تجديدًا لما طُمس من معالمه، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (الشورى: 13).

(ب) قدر الإسلام أن الدين وضع إلهي غرزه الله في صميم الفطرة البشرية لا تشذ عنه نفس إنسانية قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ} (الروم: 30).

(ج) التأكيد على أن الإسلام الذي أوحاه الله إلى خاتم أنبيائه محمد -صلى الله عليه وسلم- هو ذلك الدين الأول الذي أرسله الله به على فترة من الرسل إلى الناس كافة ليبلغهم هذه الحقائق، ويرفع من بينهم الخلافات التي قضت عليهم بها أهواؤهم البعيدة عن مقتضيات العقل وحقائق العلم، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران: 19).

وبعد أن قرر الإسلام وحدة العقيدة الدينية تصدى لعادة التقليد الأعمى للآباء والأجداد، وأيقظ الشعور بالشخصية والمسئولية بعيدا عن ضلال الأسلاف الأولين الذين لا يعقلون شيئا، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170).

الدعوة إلى العلم

يذكر المؤلف أنه لا يوجد دين من الأديان ولا نظام اجتماعي من النظم، المعروفة قديمًا وحديثًا، يبلغ شأن الإسلام في رفع شأن العلم والتنويه بقيمته والدعوة إليه والرفع من شأن العلماء، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، وقد جعل الإسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، كما أخبر بذلك نبي الإسلام.

ولا تقتصر دعوة الإسلام للعلم على طلب العلم الديني فقط، ولكن تعلم كل العلوم النافعة التي تنفع الإنسان في حياته ومعيشته من فلك ورياضة وطب وصيدلة وزراعة وكيمياء… إلخ.

وقد قام المسلمون بدافع من دينهم بتلمس العلم من جميع مظانه، وشغفوا بطلبه والبحث عنه حتى أصبحت لهم زعامة العلم في العالم، وخاصة في القرون الوسطى التي كان العالم الإسلامي فيها، وخاصة في الأندلس، منارةً للعلم في الوقت الذي كانت تعيش فيه أوروبا والغرب في عصور من الجهل والظلام.

فقد اشتملت مكتبة خلفاء الأندلس على ستمائة ألف مجلد، كما كان بالأندلس سبعون مكتبة عامة، والكثير من المكتبات الخاصة، وقد قامت نهضة الغرب بالاستفادة من علوم المسلمين في الأندلس من خلال حركات الترجمة والبعثات العلمية.

ولم تقتصر دعوة الإسلام للعلم فقط، بل دعا معتنقيه للنظر والتفكر فيما بين أيديهم من كائنات حية ومخلوقات، والنظر والتفكر في ملكوت السماء والأرض والجبال، والنظر في النفس البشرية لمعرفة ميولها وأصلها وغرائزها، بل والنظر لأحب الأشياء للإنسان، وهو الطعام لمعرفة كيفية وجوده، قال تعالى: {فَلْيَنظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (عبس: 24).

كما دعا المسلمين للبحث فيما كانت عليه الأمم السابقة من قوة سلطان واتساع عمران، وما كان لهم من نِحَل وأديان، ثم ما آلوا إليه باتباع الشهوات ليأخذوا العظة والعبرة، قال تعالى: {أَوَ لَمْ يَسيِرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} (الروم: 9).

وهذا البحث والتعرف على أحوال الأمم السابقة هو ما يبحثه علم الاجتماع والتاريخ بكل ما يحتملانه من بحوث وتحقيقات ونظر في أسباب تكون الأمم وانحلالها ورقيها وانحطاطها وعمرانها وخرابها.

دعوته لنشر المبادئ الإنسانية

يشير المؤلف إلى أن مقومات الإسلام الأساسية التي ساعدت على انتشاره في ربوع العالم أجمع شموله لأرقى المبادئ الإنسانية السامية والرفيعة التي تنهض بالعالم إلى ذروة الاستقرار والتعايش السلمي، وتبعده عن نوازع القلق والاضطراب.

من أهم هذه المبادئ دعوة الإسلام لأتباعه لحُسن التعامل مع غير المسلمين، قال تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8).

ولم تعهد البشرية قبل الإسلام هذا المبدأ الإنساني الرفيع؛ فقد كان أهل كل دين يعتبرون الخارج عنه عدوًا مهدور الدم؛ فكانوا إذا وقع في أيديهم استعبدوه أو قتلوه، كما فعل الرومان، أما الإسلام فقد وفَّر الحرية الدينية لغير المسلم، وجعله آمنًا على نفسه وماله، وجعل دعوة غير المسلمين للإسلام أساسها الحكمة والموعظة الحسنة بلا إكراه، بل وطالب الإسلام أتباعه بمراعاة الآداب الإنسانية في مواطن الحرب؛ فأوجب عليهم ألا يسرفوا في القتل تشفيا من العدو، وألا يجهزوا على جريح ولا يقتلوا من يستسلم من جنود العدو، وأن يحسنوا لأسرى العدو، وإذا دخلوا بلاد العدو حرم عليهم الإسلام قتل الشيوخ وأهل الذمة ورجال الدين والنساء والأطفال.

وبفضل هذه المبادئ الإنسانية الرفيعة دخل الناس في دين الله أفواجًا، وبلغت الأمة الإسلامية في أقل من قرن ما لم تبلغه الدولة الرومانية في ثمانية قرون.

وقد دعا الإسلام أيضًا لمحو آثار الجاهلية التي كانت منتشرة بين الناس في الجاهلية؛ فحرَّم الخمر وجعلها أم الخبائث، وحرَّم الربا والزنا والتبرج والفجور للمحافظة على طهارة المجتمع الإسلامي، وما يعانيه العالم اليوم من مشكلات اجتماعية واقتصادية هو من نتاج بقايا الجاهلية وانتشارها فيه.

دعوته لتطهير القلوب وتجريد العمل لله

عُني الإسلام بالعمل على طهارة القلب ونقاء العاطفة، وإذا كان لكل إنسان عقل مدرك وقلب عاطف فقد اهتم الإسلام بتربية القلب والعقل معًا فكما منح العقل سلطاته في التمييز بين الحق والباطل أعطى القلب سلطانه ليقود الإنسان إلى العواطف النبيلة.

فقد قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} (ق: 37)، ولم يقل لمن كان له عقل إيذانًا بسلطان القلب في الردع، وعدم كفاية العقل وحده لقيادة النفس البشرية؛ فقد يصادف أن يعقل الإنسان ما تجره عليه المنكرات من أضرار، ومع ذلك يقارف هذه المنكرات مع اعتقاده بأضرارها، وسبب ذلك أنه لم يرزق القلب السليم النقي الذي يبعده عن الموبقات، فكم من أناس يقارفون الربا والخمر والزنا وغيرهما من الموبقات وهم يدركون بعقولهم أضرارها السيئة والمهلكة لهم ولمجتمعهم.

وقد نبه الإسلام إلى أن عدم إذعان الإنسان للحق والصواب يرجع لمرض في قلبه، قال تعالى: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} (البقرة: 10).

وأكد أن صلاح النفس البشرية ينبع من صلاح القلب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”.

ونبه الإسلام أن نجاة المرء يوم القيامة مرهون بامتلاك صاحبه لقلب سليم، قال تعالى: {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 88، 89).

وقد نبه الإسلام أتباعه إلى ضرورة تجديد أعمالهم كلها صغيرها وكبيرها لوجه الله وابتغاء مرضاته بعيدًا عن الرياء والسمعة والمكاسب الدنيوية الوضيعة.

فالأمة التي تجرد أعمالها لوجه الله يسهل عليها أن تصير على السمت الذي يرسمه الله من الصدق والأمانة والعطف والرحمة والإنصاف، وإحقاق الحق وإزهاق الباطل، والتعاون على البر، ومجانبة الآثام الظاهرة والباطنة والبغي والفسوق، ولم يكن غريبًا أن ينادي كبار مفكري الغرب بالأخذ بتعاليم الإسلام لإصلاح مجتمعاتهم؛ فالفيلسوف البريطاني الشهير برناردشو يقول: “إن العالم لا محيد له عن الإسلام ليأسو به جراحه ويعدل به معوجه، ويقوم من أمره على سداد تتطلبه حياته ويقتضيه صلاحه”.

الإسلام وأغراضه الاجتماعية

جاء الإسلام فوجد أممًا قوية قد ترابطت فيما بينها على الحياة والفتح وتسخير الأمم الضعيفة، وكانت عقائد هذه الأمم عقائد خرافية، فجاء الإسلام بأرقى الروابط الاجتماعية القائمة على أحكم الأصول الأدبية لينتشر في بقاع الأرض كلها، وقد زعم البعض أن مرجع ذلك هو أن الإسلام انتشر بحد السيف، وأنه يدفع أتباعه للجهاد ويعدهم مقابل ذلك بالجنة. وزعم آخرون أن سبب ذلك هو تفكك روابط الأمم التي كانت معاصرة للمسلمين الأوائل، أي الرومان والفرس وكلا الرأيين خطأ.

فالسبب القوي الذي جعل الإسلام ينتشر في بقاع الأرض، ويربط بين الأمم التي فتحها بروابط قوية، ويحتل في نفوس أفرادها مكانةً ساميةً لم تصل إليها أية عقيدة أخرى.. هو أن الروابط الإسلامية بين أفراد أمة الإسلام كانت أرقى وأقوى من جميع روابط الجماعات التي نازعتها الحياة، هذه الروابط تستمد وجودها من أعلى المبادئ الاجتماعية التي جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذا التعليل وحده هو الذي يفسر ثبات طائفة إسلامية صغيرة أمام جماعات تفوقها عددًا بأضعاف مضاعفة.

 فالروابط الاجتماعية التي سادت الأمم قبل مجيء وظهور الإسلام كانت تنحصر في التعاون على تحصيل مقومات الحياة المادية من خلال إثارة الحروب على الأمم المجاورة، وشن الغارات عليهم؛ فإذا كتب لجماعة منها الفوز والانتصار في تلك الحرب جعلت همها تجريد المقهورين من أموالهم واستعباد رجالهم ونسائهم، وكان أساس هذه الروابط الجنس واللون واللغة وغايتها تسويد ورفعة الجنس الغالب على جميع الأجناس البشرية الأخرى.

أما الإسلام فجاء بروابط إسلامية وأصول أدبية هي أرفع ما يصل إليه العقل من معنى العدل الإلهي، من هذه المبادئ المساواة بين جميع الخلق؛ لأن أصلهم واحد فهم جميعهم أبناء لآدم وحواء، أن التفاضل بينهم ليس على أساس الجنس واللون واللغة، ولكن على أساس التقوى والعمل الصالح، تسويد الحق في جميع المواقف على القوة، التأكيد على أن الشعوب والقبائل خلقت لتتعارف لا لتتحارب وتتفاخر. هذه الروابط والمبادئ الإسلامية تصلح لأن تضم جميع الأمم والبشر، وتمحو ما بينهم من أحقاد جاهلية وثارات قومية، وتجعل العالم كله أمة واحدة.

الصراط المستقيم

عني الإسلام عناية خاصة ببيان الصراط المستقيم ودعوة أتباعه إلى لزومه ونبَّه إلى أن المقصود به هو الالتزام بكل ما أمر الله به، والبعد عما نهى عنه في كتابه الكريم؛ لأنه الطريق الموصل لرضا الله، قال تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} (الحج: 24)، وقد امتن الله على رسله بأنه هداهم إلى الصراط المستقيم، فقال تعالى في حق موسى وهارون: {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الصافات: 118)، وقال في حق خاتم رسله صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (المؤمنون: 73).

وقد دعا الإسلام أتباعه للسير على الصراط المستقيم طلبًا لترقيتهم وتكميلهم لا لتعبيدهم وتسخيرهم مؤكدًا على أن السائر على الصراط المستقيم هو سائر على طريق الاستقامة طريق الله، وأن ما عدا ذلك من طرق وسبل هي طرق شيطانية لا توصل إلى الخير. قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} (الأنعام: 153). ولا يزال الإسلام يدعو العالم إلى الصراط المستقيم، وهم لن يجدوا أمامهم سوي تلبية دعوة الإسلام لإنقاذ العالم مما يعانيه من أزمات ومشكلات.

دعوته إلى تعرف السنن الإلهية في الجماعات البشرية

كشف الإسلام سرًا مهمًا من أسرار الاجتماع البشري، وهو أن للاجتماع البشري سننًا إلهية لا تتخلف ولا تتبدل فالأمة التي كُتب لها النجاة من علل الاجتماع والشفاء منها هي الأمة التي تعرفت على هذه السنن وطبقتها على أعمالها، والأمة التي قدر عليها الاضطراب أو الفناء هي التي ابتعدت عن الالتزام بهذه السنن. قال تعالى: {سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً} (الأحزاب: 62). وقد حرص المسلمون الأوائل على تلمس هذه السنن الإلهية من مظانها حرصًا على بقاء وجودهم وسلامة كيانهم، وقد دفع بهم هذا الحرص إلى تحدي الصراط السوي في جميع أعمالهم ومعاملاتهم، وقيام بعضهم رقباء على بعض في سيرهم وتصرفاتهم التزامًا بما رسمه الله لهم في قوله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران: 104). وقد أدى التزام المسلمين بتلك السنن الإلهية إلى أن أصبحوا أمة تقوم على جادة الحق بعكس المجتمعات الغربية التي أطلقت العنان لمبدأ الحرية الشخصية بلا ضابط وقيد، فأباحت تلك المجتمعات لأفرادها تعاطي الخمور والزنا ولعب القمار والربا، فعانت تلك المجتمعات من مشكلات اجتماعية عديدة وانتشار الأمراض الفتاكة.

أما الإسلام فمع إقراره واحترامه لمبدأ الحرية الشخصية وتقديسه لها فإنه أباح للإنسان أن يفعل كل ما يعود عليه بالنفع والصلاح، ونهاه عن ارتكاب ما يضره ويهلكه باعتباره إنسانًا مكرَّمًا وهو خليفة الله في الأرض. وقد أكد الإسلام أن سنن الله في الكون تسري على الكافة فلا مجال للمحاباة والمصانعة، كما نص على ذلك حديث قدسي كريم، حيث يقول رب العزة: “الجنة لمن أطاعني ولو كان حبشيا، والنار لمن عصاني ولو كان شريفًا قرشيا”.

تأسيس مدينة عالمية فاضلة

يذكر المؤلف أن الإسلام يدعو لتأسيس مدينة فاضلة فلا تعارض بين الدين الحق والمدينة الفاضلة؛ فهما يتفقان في المبدأ والغاية، وهو سعادة الإنسان ورفاهيته؛ فالدين الإسلامي هو المثل الأعلى لأرقى مدينة عرفها التاريخ البشري. فإذا كانت المدنية هي ثمرة الجهود التي يبذلها الإنسان لتحسين حياته المادية، وتسهيل حياته المعيشية، وترقية وسائله الحيوية وحاجاته الأدبية والفنية بمقتضى العلم فإن الإسلام يدعو لتلك المدنية الصحيحة. أما أن تدعو تلك المدنية إلى مذهب فلسفي يدعو لمعتقدات وأفكار تتعارض مع ما يقرره الدين أو يدعو للبعد عن الدين، فإن الإسلام يعارض هذه المدينة الفاسدة.

وإذا كانت المدنية هي دعوة للإنسان تحت زعم الحرية الشخصية لارتكاب وفعل ما يحلو له من موبقات مهلكة له ولصحته ولماله مثل شرب الخمر ولعب القمار وارتكاب فاحشة الزنا، فإن الإسلام يعارض هذه المدنية ويحاربها حربًا لا هوادة فيها، كما يحرمها العلم الصحيح فالعلم يجرم كل ما يجرمه الدين. فهناك مدنية تتفق والعلم، ومتى اتفقت والعلم فقد اتفقت والدين؛ لأن العلم الصحيح لا يعقل أن يخالف الدين الحق على أي وجه من الوجوه.

ويؤكد المؤلف أنه لا يوجد دين من الأديان اهتم بالحث على العمران وعمارة الأرض مثل دين الإسلام، حتى إنه يسوغ للباحث في الإسلام أن يلقبه بدين العمران، فقد حث الله سبحانه وتعالى عباده في آيات كثيرة من القرآن الكريم على عمارة الأرض ونهاهم عن الفساد فيها، وذلك تحقيقًا لمبدأ الخلافة في الأرض، قال تعالى: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} (هود: 61)، أي طلب منكم عمارتها. وقال تعالى: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} (الأعراف: 55)، وأكد المولى -عز وجل- أنه لم يهلك القرى بسبب كراهيته للعمران معاذ الله، ولكن بسبب انحراف أهلها عن الصراط المستقيم وكفرهم بنعم الله، وعدم الاعتداد بها واستخفافهم بها، قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} (القصص: 58)، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} (هود: 117).

ومن أكبر الدلائل على اهتمام الإسلام بالعمران أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينهى أصحابه حين يبعثهم للغزو عن هدم البيوت وإحراق المزروعات، وقد التزم الصحابة والتابعون والفاتحون بتلك التوجيهات؛ فلم يدخلوا مدينة أو قرية إلا ولم يمسوها بسوء، بل زادوا في عمرانها، ولم يدع المسلمون علمًا ولا فنًا ولا صناعة لتكميل صرح العمران إلا وأخذوا به وزادوه رقيا حتى وصلوا لمكانة علمية رفيعة.

ففي الأندلس أسس الملوك بها منارة علمية رائعة حتى أصبحت جامعاتها شعاعًا للعلم يفد إليها أهل الغرب، وهو ما ساعد في إقامة نهضة الغرب بعد أن كان يعيش في عصور من الظلام والجهل في القرون الوسطى.

مواضيع ذات صلة